قراءة في تداعيات الخطاب الأخير: لماذا يغضب أنصار الله من صالح ؟!

المساء برس : المحرر السياسي

تسبب الظهور الإعلامي الأخير للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح في إثارة الكثير من الجدل حول ما ورد في كلمته أمام قيادات حزبه المؤتمر الشعبي العام.

صالح لم يأتي بأي جديد سوى التأكيد على مواقفه السابقة وحرصة المستمر ومن خلال خطابه على بعث رسائل ليست بمشفرة بل واضحة وضوح الشمس لأكثر من طرف في الداخل والخارج وهذا ما يبدع فيه صالح الذي أستطاع البقاء في السلطة لاكثر من 33سنة وقبل ذلك استطاع الوصول اليها وبعد ان تركها استطاع البقاء كرقم مهم في المشهد السياسي اليمني.

المثير ان محسوبين على انصار الله شنوا هجوماً عنيفاً على صالح واتهموه بالإنقلاب على الشراكة رغم ان خطاب صالح لم يرد فيه أي إعلان صريح لإنهاء الشراكة بل اكد صالح على مساندة انصار الله ووصفهم بالشرعية ناهيك من انه شن هجوماً عنيفاً على التحالف وعلى أتباع الرياض من اليمنيين.

ولعل ما اثار حساسية البعض من انصار الله هو التفسير الضمني لحديث صالح حول الشراكة وكانه تنصل من أي إلتزامات او مسؤولية سيما وموقف صالح يأتي في ظل رفض المؤتمر تسلم سلطة المجلس السياسي بعد انتهاء فترة الصماد المحسوب على انصار الله.

غير ان مراوغات صالح والمعروف عنه هذا الأمر لا ينبغي التعاطي معها بالحماقة والغباء واستنساخ تجارب خصومه من ازمة 93م وحتى ما بعد 2011م حيث تمكن الرجل من تجاوز كل تلك العوائق والصعاب بأساليب هي أقرب للمكر والدهاء والخداع معتمداً على هفوات خصومه وتركه لهم يشعلون النار في انفسهم وما عليه سوى إعطائهم علبة الكبريت والإيحاء بإخراج عود الثقاب وتدشين مرحلة إحراق خصم بدرجة حليف هو في الحقيقة لدى صالح ليس أكثر من كرت يستخدم لمرة واحدة فقط .

ومن لم يعرف هذا عن صالح فهو والغباء شيء واحد ومن لم يتعرف على أساليب الرجل الأكثر خبرة في التعاطي مع تناقضات اليمن لا يستحق الولوج الى عالم السياسة اليمنية التي ابتدع لها صالح أبواباً مرصعة ذات ألوان متماهية لا يستطيع من يقترب منها تمييز الأحمر عن غيره من الألوان.

هذا ليس مدحاً في الرجل بل حقيقة تؤكدها الأحداث كون صالح لم يكن ذكياً إلا بغباء وحماقة خصومة ومن لم يقرأ أحداث السنوات الماضية عليه ان يتدارك نفسه قبل ان يقع في نفس الحفرة المعروفة والتي يسارع عليها البعض معصوبي الأعين متوهمين أنهم يتخذون طرقاً ومسالك أخرى غير تلك التي أتخذها من اصبحوا اليوم في أبواب الرياض وعواصم الخليج.

خطاب صالح الأخير لم يحمل أي موقف يمكن ان يثير غضب انصار الله فالرجل تحدث كرئيس لحزب ومن حقه التحدث عن قضايا حزبه وعن تطلعه لأي خطوات قادمة تُحسن من وضع حزبه وانصاره أما حديثه عن الحوار مع المملكة فهذا ايضاً ليس بجديد إذ لطالما أشار ولمح وصرح صالح عن المملكة وعلاقته بها ودورها واكد على الحوار معها وبالتالي فمن يتحدث عن علاقة صالح بالمملكة وكانها مفاجأة إعلامية فإنما يكشف نفسه كغبي يضاف الى طابور الأغبياء الذين ينتظرون دورهم في الخروج القسري من المشهد الوطني.

بالمجمل صالح وإن كان قد تطرق ضمناً لما قد يستدعي غضب البعض من حلفاء العاصمة الموبوءه بالكوليرا إلا انه وخلال مدة 22دقيقة من خطابه ظل يتحدث عن التحالف والمملكة واتباعها من اليمنيين فيما تحدث خلال 3 دقائق عن أمور أخرى ليلتقط الأغبياء ما قاله صالح فيما يتجاوز الربع الدقيقة ويتركوا ما تبقى من الخطاب الذي يتوافق تماماً مع خطاب الأنصار ويؤكده حتى ان المتابع للخطاب سيقول : لم يتبقى إلا الصرخة كي يرددها صالح .

ترى لماذا لم يتم التركيز على هذه المواقف واعتبار ما دونها مجرد تباينات أليس هذا كان كفيلاً بإحراج صالح وفريقه وقبل ذلك يفوت الفرصة على من يريد الإصطياد في الماء العكر الذي تتسع دائرة إنتشاره بإزدياد عدد الصيادين من حوله.

ثم ألم يكن صالح يتعمد عند التطرق لبعض القضايا الداخلية إثارة غضب أنصار الله بطريقة سياسية ماكرة .. سيجيب القليل نعم فهذا أسلوبه .. حيث يبدع صالح في حشر الطرف الآخر في مربع الحديث عن هوامش كلمته أو ملحقاتها التي لا يمكن إعتبارها إلا كجزء من الكلمة نفسها والذي تحدث فيها صالح عن قضايا لطالما كان انصار الله يتحدثون بها وبودهم لو ان شركاءهم في المواجهة تبنيها ولو إعلامياً . 

كان من المفترض على انصار الله ومن منطلق أبجديات المناورة السياسية مع الحليف المفترض الترحيب بما ورد في خطاب صالح جملة وتفصيلاً ودعوته كشريك الى المزيد من التوافق والتأكيد على الإستمرار في الشراكة .

ترى ماذا كان سيحدث لو اتخذ الأنصار مثل هكذا موقف؟

نعم قد يظن البعض ان مثل هذا الامر مستحيلاً غير انه في ميدان السياسة منطقي وعقلاني بل وأسلوب ذكي لا يجيد استخدامه إلا دهاة السياسة ممن أجادوا استخدام القلم والكلمة والموقف تماماً كإجادتهم استخدام المدفع والقنبلة والكلاشنكوف بل إن إعتمادهم على وسائل القوة المعنوية أكثر مما هي على القوة المادية.  

بل قد تستطيع تحقيق اهدافك بالسياسة وفن الخطاب والإعلام أكثر مما هي عليه بالأسلحة والقوات العسكرية فالواقع تغير ومن لم يقرأ هذه التغييرات سيتجاوزه الواقع عاجلاً أم آجلاً .

وقبل كل ذلك ينبغي إدراك حقائق تاريخية تتكرر معنا في كل مرحلة سواءً فيما يتعلق بصراعات تناقضات الخارطة اليمنية والعلاقة بالاجنبي أو ما يتعلق بخصوصية المجتمع اليمني وعلاقة ذلك بالسلطات المتعاقبة.

فإلى متى ستظل المهاترات أسلوباً جذاباً للكثيرين من اتباع الطرفين والى متى يستمر الخلاف والصراع دون وجود خطوط حمراء ينبغي ان تظل خارج حلبة المصارعة .. كالقمامة مثلاً وغيرها من القضايا التي لا يتوجب الإقتراب منها لعلاقاتها بالمواطن اولاً واخيراً .

بإمكان المؤتمر ان يستمر في الشراكة ويحصل على ما يريد أو على بعض ما يريد والأمر كذلك بالنسبة لأنصار الله غير ان الخلافات بينهما ستقود الجميع الى مشهد لم يكن أحد يتوقعه او يحسب حسابه فلا يظن أحداً منهم ان رسم مسارات المواجهة سيؤدي حتماً الى ما يرمي اليه من أماني ورغبات مهما أجاد التكتيك المرحلي وأبدع في التخطيط الإستراتيجي . 

 

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا