قراءة في برنامج حكومة الإنقاذ الوطني (مواجهة العدوان ومعالجة آثاره)

عبدالله بن عامر 

لا يختلف اثنان في أن حكومة الإنقاذ جاءت في فترة صعبة ومعقدة تعيش فيها البلاد في حالة حرب شرسة مع تحالف العدوان إضافة إلى تعقيدات من نوع آخر تتعلق بالجوانب الإقتصادية والمعيشية والأمنية وجميعها إما إنعكاسات طبيعية لحالة العدوان الشامل الذي تتعرض له البلاد منذ أكثر من عام ونصف أو تراكمات ومخلفات الصراع السياسي والإستئثار بالسلطة خلال عقود من الزمن وما رافق ذلك من غياب الإصلاحات الجادة ومشروع التغيير المنشود .

ولهذا فحكومة الإنقاذ وبغض النظر عما احتواه برنامجها المقدم للبرلمان حتى تنال وعلى ضوئه الثقة تعتبر حكومة طوارئ ولها مهام رئيسية تتعلق بمتطلبات المرحلة قبل الخوض في المهام الإعتيادية أو أي مشاريع أو خطط إستراتيجية قادمة .

ومن خلال قراءة البرنامج الحكومة المقدم للبرلمان نجد أن الحكومة حددت مسارات عملها الرئيسية في اربع محاور :

1- مواجهة العدوان ومعالجة آثاره.

2- السياسات الاقتصادية والمالية والإصلاحات المؤسسية.

3- الخدمات العامة والبنية التحتية .

4- السياسة الداخلية والخارجية.

ورغم أن المحاور الأربعة قد أختصرت مهام الحكومة في الظرفين الإعتيادي/الطبيعي من المحور الثاني حتى الرابع أو الظرف الإستثنائي المتعلق بالمحور الاول وهو مواجهة العدوان ومعالجة آثاره إلا أن ما يمكن قوله أن جميع المحاور الأربعة متصلة ببعضها البعض بحيث لا يمكن فصل محور عن آخر فتغيير السياسات الإقتصادية والمالية من ضمن متطلبات تنفيذ المحور الاول المتعلق بمواجهة العدوان الذي لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب بل يتعدى ذلك إلى برنامج إصلاحي شامل يستهدف الجوانب المالية ويعمل على تحقيق الإستقرار الإقتصادي قدر الإمكان وتعزيز دور مؤسسات الدولة بما يضمن تحقيقها الإيرادات المطلوبة وتوفير الإحتياجات الأساسية وجميع ذلك يتطلب إرادة شاملة ما لم فسنكون أمام حالة فشل وإخفاقات قد تنعكس سلباً على طبيعة المعركة مع العدوان بحكم ان المرحلة الحالية ليست كبقية المراحل السابقة والتي كان الفشل الحكومي وقتها ينعكس سلباً على وضع المواطنين في وقت لا تزال فيه الدولة تؤدي بعض واجباتها اما اليوم فإن أي إخفاق فله آثار كارثية وتداعيات خطيرة لا تتعلق بمستقبل الحكومة والقوى المشاركة فيها بل بالكيان الوطني برمته .

 

إشكالية في الصياغة :

بشكل عام فإن معركة الحكومة تتمثل في مواجهة العدوان وهو ما يمكن أن نلمسه في البرنامج بشكل عام ولا نقصد هنا المحور الاول منه (مواجهة العدوان ومعالجة آثارة) حيث أحتوت المحاور الثلاثة المتبقة فقرات هي في جوهرها تعتبر ضمن معركة المواجهة ولهذا قبل أن نوجه النقد للبرنامج أو نعتبر عدم شمل جميع المهام والمقترحات والطموحات المتعلقة بمواجهة العدوان ضمن المحور الأول قصوراً أو عيباً في شكل ونص وصياغة البرنامج إلا أن الحكومة كانت حريصة على إستيعاب الكثير من المحددات العامة المتعلقة بمعركة المواجهة ثم إن مواجهة العدوان ذات علاقة بكل مهام الحكومة وبكل إختصاصات قطاعات ومؤسسات الدولة وهو ما فرض خروج البرنامج بهذا الشكل وهنا كان يمكن أن تتوزع فقرات مواجهة العدوان في مختلف الجوانب على كافة أقسام ومحاور البرنامج كلاً في إطاره وضمن مساره المحدد وبحيث لا يتم وضع محور/فصل/باب خاص بمواجهة العدوان كون البرنامج ينطلق من مبدأ المواجهة والصمود وهي المهمة الأكبر التي تقع على عاتق الحكومة .

 

المحور الأول : مواجهة العدوان :

تحت عنوان مواجهة العدوان ومعالجة آثاره أحتوى البرنامج على 15 فقرة حاولت ترجمة تنفيذ المهمة الاولى من مهام الحكومة ومن خلال قراءة شاملة لجميع الفقرات نجد ان الحكومة قسمت مهامها فيما يتعلق بمواجهة العدوان إلى ( عسكرية – إعلامية – صحية – إعادة بناء – قانونية ) .

حيث تضمنت الفقرات (1 إلى 4) الجانب العسكري والامني سيما فيما يتعلق بتعزيز الموقف القتالي للجيش واللجان الشعبية ناهيك عن خطوات أخرى لها علاقة بعمل الحكومة الإعتيادي غير أن جميع الفقرات تأتي كمصفوفة واحدة  في إطار معركة المواجهة الشاملة مع العدوان وهي( 1- تعزيز حالة الجاهزية القتالية ودعم الجبهات بالمقاتلين ورفع الروح المعنوية لمواجهة قوى العدوان ومرتزقته وبسط نفوذ الدولة بما يعزز السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني والحفاظ على الوحدة الوطنية ومكافحة الإرهاب.2- تطوير القدرة الصناعية في مجال التصنيع الحربي بما يضمن رفد الجبهات بالعتاد اللازم خصوصاً المنظومات الدفاعية المتطورة والقوة الصاروخية ومنظومة الدفاع الجوي والساحلي.3- تحسين المستوى المعيشي لأفراد القوات المسلحة والأمن واللجان الشعبية وإستكمال دمج ما تبقى من أفراد اللجان في قوام القوات المسلحة والأمن وتنفيذ برامج علاج ورعاية الجرحى وأسر الشهداء والمتقاعدين .4- وضع السياسات العامة واتخاذ الإجراءات اللازمة لترسيخ الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي ومكافحة التهريب وتوفير المناخات اللازمة لتعزيز الأمن والاستقرار).

وأحتوت بقية البنود على دور الحكومة في معالجة آثار العدوان سيما في الجوانب الصحية كتقديم العلاج للجرحى منها (13- تعزيز خدمات الطوارئ لمواجهة العدوان وآثاره المدمرة ودعم أسطول الطوارئ بالمزيد من سيارات الإسعاف ورفد مراكز الطوارئ بالموازنات التشغيلية اللازمة والأجهزة والمعدات المطلوبة لخدمات الطوارئ ودعمها بالكادر المتخصص مع تقديم التشجيع والحوافز المناسبة 14- القيام بتقديم الخدمات اللازمة لضحايا العدوان من جرحى ومصابين في مستشفيات الجمهورية ورعايتهم وذلك بأقل قدر من المعاناة والبحث للحصول على تلك الخدمات الضرورية والقيام باتخاذ الإجراءات اللازمة لإرسال الحالات المستعصية منها إلى الخارج.15- العمل على إبقاء حالة الجاهزية والتأهب والتشغيل غير المنقطع لأكبر عدد ممكن من مستشفيات القطاع العام في الجمهورية وتوفير المتطلبات الأساسية للتشغيل من ماء وكهرباء وأدوية وكادر مع المحافظة على جاهزية وصلاحية الأجهزة الطبية وبقائها في حالة جيدة، وتقديم الدعم الفني لذلك في إطار عملية صيانة مستمرة.)

ومن خلال ما سبق نجد أن الحكومة لم تشر إلى النازحين وقضاياهم وكيفية تقديم المساعدة لهم رغم أنها وفي فقرات أخرى ضمن الفصل الرابع (السياسة الداخلية والخارجية) أشارت إليهم في الفقرة السادسة من بند السياسة الخارجية وتحديداً عن الحديث عن دور المنظمات الإغاثية .

 

 

تحديد السياسة الإعلامية والدور القانوني :

يقع على عاتق الحكومة مهمة مجابهة العدوان بمختلف الوسائل ومنها القانونية حيث لم تغفل الحكومة عن دورها القانوني في مقاضاة العدوان وتوثيق جرائمة فقد أشارت الفقرة العاشرة على (استكمال إعداد وتوثيق الملف القانوني عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبها العدوان).

أما  الفقرتين (11 و12) فقد تضمنتا محددات الرسالة الإعلامية والخطاب الرسمي الموجهة للمواطنين عن طريق الوسائل المختلفة سواءً كانت إعلامية او شعبية أو من خلال الفعاليات المجتمعية وبما يحقق الأهداف المطلوبة وعلى رأسها تعزيز تماسك الجبهة الداخلية وتعزيز التضامن الشعبي حيث جاء نص الفقرتين كخطوط عريضة يجب أن تترجم في مواقف الحكومة نفسها وفي توجهاتها العامة لتنعكس على الوضع العام   (11- تكثيف التوعية من خلال الرسالة الإرشادية التي تستند إلى الأسس الشرعية والمبادئ الوطنية بأهمية تماسك وتلاحم الجبهة الداخلية وتعزيز التضامن الاجتماعي في مواجهة العدوان وبث الأمل والتسامح والتعايش والتراحم والتكافل بين شرائح وأفراد المجتمع وتنمية روح المسؤولية الفردية والجماعية 12- ترسيخ القيم الدينية وتعميق الولاء الوطني كفريضة تقتضي الحفاظ على سيادة الوطن وأمنه واستقلاله وحماية مكتسباته وربط التوعية الوطنية بالثوابت الإيمانية وتعميق ثقافة الحوار وحقوق الإنسان وحرياته.)

البرنامج لم يغفل في القسم الاول من المحور الرابع الإشارة إلى الرسالة الإعلامية وإلى ترشيد الخطاب الديني إضافة إلى ما تضمنته الفقرة رقم 9 (صياغة وتنفيذ مشروع ثقافي وطني جامع لمواجهة العدوان ومعالجة الآثار التي ترتبت عليه.)

 

 

إعادة الإعمار ومسؤولية العدوان :

أما الفقرات من (7 وحتى 9) نجد أنها أستوعبت متطلبات إعادة الإعمار والبناء للمنشآت الخدمية والمرتبطة بالحياة اليومية وهنا نجد أن الحديث عن إعادة الإعمار والبناء أقتصر على الجوانب الخدمية فقط كون العدوان يتحمل مسؤولية ما دمره ولا يمكن أن تقوم الحكومة بإعادة إعمار كل ما دمره العدوان أولاً لصعوبة ذلك من الناحية المادية وقلة إمكانيات الدولة وثانياً وهو الأهم أن من يتحمل مسؤولية التعويضات وإعادة الإعمار هو العدوان نفسه بموجب القوانين الدولية بحيث لا يمكن أن نعفيه بأي حال من الأحوال من إعادة الإعمار ولا يخفى على احد ان العدوان حاول التنصل من هذا البند خلال جولات المشاورات غير ان الوفد الوطني رفض أي تنازل فيما يتعلق بهذا الجانب .

وهنا يتوجب على الحكومة قبل شروعها في إعادة إعمار أي مشروع ان تعمل على حصر أضرار العدوان وفق الأساليب المتاحة والممكنة وتوثيقها حيث أن برنامج الحكومة أحتوى على فقرات اخرى ضمن محاور أخرى تتحدث عن إعادة الإعمار والبناء .

 

إغفال دور القبيلة في معركة المواجهة:

يمكن القول أن الحكومة تجاهلت دور القبيلة أو ما يعرف بالدور الشعبي في معركة المواجهة فما قدمته القبيلة اليمنية في رفد الجبهات ومواجهة العدوان لا يمكن إغفاله أو تجاهله , ولعل مطالعة أخبار الوقفات القبلية المستمرة وبشكل يومي في أغلب المحافظات يكفي لأن نستوعب حجم الدور الذي تمثله القبيلة اليمنية في مواجهة العدوان وما حققته من إنجازات بل في وقت من الأوقات كان دور القبيلة يضاهي دور الجهات الرسمية خلال الفترة الماضية .

 

إستدعاء نصوص من برامج سابقة :

لقد جاءت فقرات في البرنامج مشابهه تماماً لما جاء في برامج حكومات سابقة سيما الحرص على استخدام ألفاظ مطاطية توحي بعدم الجدية في التنفيذ أو القفز على ما فرضته الأوضاع السابقة التي أستشرى فيها الفساد وغابت فيها الإرادة الوطنية حتى عن تحقيق أي إنجاز في أي جانب وللمثال على ذلك جاءت البنود المتعلقة بالجانب الزراعي على إستحياء دون ان تضع توجهاً عاماً لا يقبل التسويف والتفسير بقدر ما يوحي بوجود إرادة حقيقية للنهوض بهذا القطاع حيث جاء النص على النحو التالي (‌هـ- زيادة نسب الاكتفاء الذاتي للمنتجات الزراعية المنتجة محلياً بالتركيز على زيادة الإنتاج الزراعي النباتي والحيواني وتحسين نوعيته ‌و- منح أولويات للمنتج الزراعي المحلي وتخفيض استيراد المنتجات الزراعية الطازجة أو المصنعة بالقدر الذي لا يؤثر على الأمن الغذائي والذي يخلق دافعاً لدى المنتج اليمني لزيادة إنتاجيته وتحسين نوعية منتجه  ‌ز- تشجيع صغار المزارعين على الاستمرار في العملية الإنتاجية وخلق فرص عمل إضافية في المجال الزراعي وذلك بهدف دعم العمل الإنتاجي ليعيشوا بكرامة ويسهموا في دعم الأمن الغذائي بدلاً من بقائهم عالة على الدولة) .

 نجد في الفقرات السابقة عدم نية الحكومة إحداث تغيير شامل في المجال الزراعي كونها لم تتبنى ذلك حيث كان من المفترض ان يحتوي برنامجها على موجه عام يؤكد جديتها في تحقيق الإكتفاء الذاتي من المواد الأساسية من خلال النهوض بالقطاع الزراعي ومن ثم تتولى الجهات المختصة تحويل الموجه العام خلال فترة زمنية إلى واقع عملي ومثالاً على ذلك كان من المفترض أن تتبنى الحكومة خطوات كـ منع إستيراد المواد الأساسية التي يتم إنتاجها محلياً أو تحدد فترة زمنية من خلالها تصبح اليمن في مرحلة إكتفاء ذاتي بدلاً من إستدعاء النصوص من برامج الحكومات السابقة والتي لم تجد أي طريق للتنفيذ بل ظلت حبراً على ورق .

 .

ارادة التغيير والمواجهة :

يبقى أن نقول أن ما قدم في برنامج الحكومة بشأن مواجهة العدوان يظل خطوط عريضة تحتاج إلى خطط وبرامج تنفيذية تستوعب جميع المتطلبات فيما يتعلق بمعركة المواجهة وبحيث يتم تدارك ما تجاهله البرنامج أو إستكماله حتى تصبح الوزارات المعنية أمام موجهات عامة شاملة قبل أن تتجه إلى تحويلها إلى برامج عملية مزمنة .

ولعل ما يمكن الإشارة إليه هنا هو ان برامج الحكومات المختلفة رغم الملاحظات عليها إلا أنها ظلت مجرد عناوين ووعود وتعهدات لم تجد طريقها إلى التنفيذ رغم توافر الإمكانيات خلال الفترات السابقة وهذا ما يجعلنا نشير إلى أهمية أن تعمل الحكومة الحالية على تغيير مفاهيم العمل الحكومي وطبيعة العلاقة بين المسؤول والمواطن ومدى إحترام المسؤول لما جاء في برنامجه المقدم للشعب قبل البرلمان كوثيقة ملزمة على ضوئها تتحدد عوامل وأسباب بقاء الحكومة من عدمه .

قد تكون الظروف التي تمر بها البلاد فرصة للنهوض الشامل وإحداث تغيير جذري في منظومة العمل الحكومي إبتداءً بالعقلية الحاكمة للجهاز الإداري للدولة من خلال تطوير الأداء وتحسين مستوى الكفاءة بإرادة وطنية تتجاوز المصالح الضيقة لتصبح بحجم الوطن .

 

*نشرت في صدى المسيرة الأربعاء الماضي 

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا